علم الدين السخاوي
673
جمال القرّاء وكمال الإقراء
ويدل عليه قوله عزّ وجلّ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ « 1 » ، فأمر اللّه « 2 » لمن استقام على عهده ولم ينقضه بأن يتم له عهده ، وأن يؤخر من نقض عهده وظاهر على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أربعة أشهر « 3 » . قال تعالى فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ففسح لمن كان له عهد ونقض قبل انتهائه ، ومن له أربعة أشهر فما دون أن يتصرفوا في الأرض مقبلين ومدبرين ، ثم لا أمان لهم بعد ذلك . قال مجاهد : أولها من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر « 4 » . وقال الزهري : أولها شوال وآخرها آخر محرم « 5 » . وتسمى أشهر السماحة أيضا ، لأنه سمح لهم فيها بالتصرّف . وقال ابن عباس : ( من لم يكن له « 6 » عهد إنما جعل أجله خمسين ليلة ، عشرين من ذي الحجة والمحرم ) « 7 » ، يدلّ على ذلك قوله عزّ وجلّ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا
--> رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عهد فعهده إلى مدته . أوضح دليل على ما قلنا ، وذلك أن اللّه لم يأمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل ، فاستقاموا على عهده بترك نقضه ، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل ، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود ، فأما من كان أجل عهده محدودا ، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأمورا وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب اه جامع البيان : 10 / 63 . وانظر : بقية الآثار التي ساقها الطبري بأسانيده عن علي رضي اللّه عنه وغيره في هذه القضية . ( 1 ) التوبة ( 7 ) . ( 2 ) لفظ الجلالة ليست في ظق . وفي د وظ : فأمر من استقام . ( 3 ) وسيأتي - إن شاء اللّه - مزيد بيان لهذا في أول سورة التوبة . واللّه الموفق . ( 4 ) قال القرطبي : وهذا قول مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب ، قال : وقيل لها حرم : لأن اللّه حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين والتعرض لهم إلا على سبيل الخير اه . الجامع لأحكام القرآن ؛ 8 / 72 ، وانظر : تفسير الطبري : 10 / 79 وقد سبق أن قرر هذا السخاوي أثناء كلامه على قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ . . حيث قال هناك : إن المراد بالأشهر في قوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ . . . إنما هي تبدأ من يوم النحر . . . الخ ص 613 . ( 5 ) انظر : تفسير الطبري : 10 / 62 والإيضاح ص 308 ، والناسخ والمنسوخ للنحاس ص 195 ، قال ابن الجوزي : قال أبو سليمان الدمشقي : وهذا أضعف الأقوال لأنه لو كان كذلك لم يجز تأخير أعلامهم به إلى ذي الحجة ، إذ كان لا يلزمهم الأمر بعد الإعلام اه . زاد المسير : 3 / 394 . ( 6 ) ساقط من د . ( 7 ) انظر : الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص 425 ، وتفسير القرطبي 8 / 72 .